فأبناء الآباء النرجسيين تمت برمجتهم وتربيتهم منذ نعومة أظفارهم على السعي باستمرار إلى إثبات النفس دون الحصول عليها، فهم يعتقدون أن قيمة ذاتهم مرتبطة بسمعة عائلتهم وعراقتها، ويشعرون في قرارة دواخلهم أن قيمة ذاتهم لا يمكن أن يحافَظ عليها إلا عندما يلبّون احتياجات آبائهم ورغباتهم، ما وسِعهم ذلك، فهم يكبرون وينشأون في بيئة مرتبط فيها الحبُّ دوماً بشروط معينة، هذا إذا كان ثمة حُبٌّ أصلاً.
فالمشاكل التي توجد عند بعض أطفال الآباء النرجسيين تنشأ غالباً بسبب هذه الأكاذيب الخمسة، التي تعرضوا لها في مرحلة مبكرة من حياتهم وهي كالآتي، كما جاء في تقرير النسخة الألمانية من "هافينغتون بوست".
1- قيمتك الشخصية مرتبطة دوماً بشروط معينة
الطفل الذي يعاني أبواه أو حتى أحدهما من اضطراب الشخصية النرجسية، يتنامَى بداخله أن قيمته الشخصية مرتبطة دوماً بقدرته على تحصيل أكبر قدرٍ من الشخصية النرجسية لأحد الأبوين وعلى كيفية انصياعه وانقياده لهما، فالمظهر الخارجي والوضع والسمعة في المنزل مع الشخصية النرجسية عند أحد الأبوين أو كليهما يلعب دوراً كبيراً في ذلك.
ولأن الأبوين يشعران دوماً بالاستعلاء وبسبب قناعتهما الخاطئة ورغبتهما في أن يكونا الأفضل دوماً، فإنهما يُبرِزان طفلَهما في العلن في أحسن صورة ممكنة، أما سوء التعامل الذي نقصده فلا يحدث إلا في الخفاء.
فالتصرف داخل المنزل يكون مختلفاً تماماً عما يكون أمام المجتمع، فيمكن على سبيل المثال أن يهاجم أحد الأبوين الآخر بصورة لفظية أو جسدية، ويكون الطفل نفسه هو ضحية سوء المعاملة العاطفية في هذا الموقف، وعلى هذا ينبغي ملاحظة أن كلاً من الأبوين يدمران عنصرَ التآخي بين الأبناء.
وعندما يجد الطفلُ نفسَه أمام سوء معاملة فإنه لا يجد إلا أن يصرّح علَناً بما يدور بداخله، وغالباً ما ينتج عن ذلك عقوبة من الأبوين تنزل على الطفل؛ حتى لا يشوه صورة العائلة المحترمة ذات الحسب والنسب، فالصراع العاطفي والبدني الذي يمر به بعض الأطفال المصابة آباؤهم بشخصية نرجسية عندما يتصرفون على عكس طموحاتهم يمكن أن يؤثر طوال حياتهم بالضرر على صورة الذات والثقة بالنفس.
وينمو عند الأطفال شعور بأنه ليس لديهم أي كيان مستقل، وإنما بعض الأعراض التي تخدم الأنا النرجسية عند الأبوين وحبهم لذاتهم.
2- يجب أن تكون كاملاً وناجحاً.. لكنك لا تُجزَى على نجاحك
يُعتبر النرجسيون أبطالاً في التهرب والمراوغة لدرجة تصل إلى إشعار ضحاياهم بأنهم لم يقدموا شيئاً أبداً مساوياً لقدر الجهد الذي يبذلونه هم لهم، ولا يُستثنى الأطفال من ذلك أبداً، فلا يعترفون بأي نجاحات إلا إذا كانت توافق أمراً ذا مكانة معتبرة لدى المجتمع، أو بعبارة أخرى ما يوافق التصور الشخصي المُفرَط عند الوالدين النرجسيين.
ومثل هؤلاء الآباء يعتبرهم الإنسان في الأساس غير واقعيين تماماً وغير فخورين أبداً بنجاحات أبنائهم، إلا إذا كان يمكنهم حسبان هذا النجاح لأنفسهم، فبعض الآباء النرجسيين يغارون حتى من أبنائهم الناجحين، خصوصاً إذا كان هذا النجاح سيساعد الأطفال على الاستقلال بشخصياتهم وعلى تطوير أنفسهم وتنميتها خارج نطاق تأثيرهم وتحكمهم.
ولا يُعدُّ أمراً غريباً أبداً عند هؤلاء الآباء أن يحاولوا إعاقة نجاح أطفالهم وتوفيقهم، عندما لا يمكن أن يتواكب هذا النجاح مع التصور الشخصي المبالغ فيه عندهم، أو لا يتوافق مع تصورهم لما يجب أن يتضمنه النجاح ويصحبَه، أو كان هذا النجاح يؤدي إلى خلع الأبناء من رقبة تحكم الأبوين النرجسيين وسيطرتهم الكاملة عليهم.
كما يَعتبر بعض الآباء -وفقاً لتصورهم السقيم- أن عدم وجود طفل من الأساس أفضل من وجوده، إذا كان هذا الطفل لا يمكنه أن يحقق أهدافاً رفيعة المقام تتصف بالكمال والتمام تُنسَب إليهما، وحتى البنت المثالية أو الابن المثالي نفسه يفشلون دوماً عند محاولة بلوغ مرتبة الكمال التي تطوف بمخيلة الوالدين النرجسيين، ففي نظرهم يعتبر هؤلاء الأبناء غير جيدين بما فيه الكفاية.
3- ثمة شخصٌ ما هو الأفضل دائماً، وينبغي هزيمته
غالباً ما يدخل بعض أطفال الآباء النرجسيين في منافسة مع أخواتهم، ثم ينقلبون عليهم في محاولة لكسب العناية والمحبة التي يبحثون عنها ويشتاقون إليها، ولكنهم لا يتحصلون عليها أبداً.
ومعروف عن الآباء النرجسيين أنهم يفاضِلون بين أبنائهم من خلال مقارنة عديمة الجدوى، ويهينونهم، ويحطمونهم بجبروتهم وسطوتهم.
غالباً ما يكون بينهم طفل مميز وآخر يتم اتخاذه كشماعة للأخطاء، وأحياناً يحدث تغيير للأدوار، ويتوقف هذا تماماً على ما يتطلبه الوعي الشخصي للوالدين النرجسيين.
وغالباً ما يطمح الأطفال المتمردون إلى الحقيقة ويتمنون وجود علاقة جيدة تربطهم مع باقي أفراد العائلة، إلا أنه لا يمكنهم السكوت على سوء المعاملة التي توجد عندما لا يحققون رغبات الوالدين.
وفي مقابل ذلك نجد أن الطفل المميز يتم تصويره على أنه المثال والقدوة، إلا أن هذا سريعاً ما يتغير، عندما يسير هذا الطفل خلف خطة شخصية من عنده يخرج من خلالها عن سيطرة الوالدين.
وينمو بالفعل لدى الأطفال في وقت مبكر جداً الشعور بأنهم ليسوا على المستوى الجيد بما فيه الكفاية وأنهم يدخلون دوماً مع الآخرين في منافسة ومبارزة، الأمر الذي يؤدي إلى عدم معرفتهم لقدرتهم وقيمتهم الشخصية.
ثم يتعلمون بعد ذلك في مرحلة النضج أنه لا يجب عليهم أن يقيسوا أنفسهم بالآخرين، وأنهم يتمتعون أيضاً بعد ذلك بشخصية قيمة حتى عندما لا يكونون بارزين في كل الأشياء.
فكرةُ تكوين حب الذات غيرِ المقيد بشروط، وتعلم احترام القدرات، والسمات الشخصية الفريدة، يعتبر من الأهمية بمكان، عندما يكافح الإنسان ويقاوم نتائج سوء المعاملة المدمرة للذات، ويستبدلها بمعيار صحيح من الفخر والعصامية.
4- الاستخفاف والازدراء يعتبران علامتين على الحب
غالباً ما يرفع الآباء النرجسيون أطفالهم في مرحلة الرضا إلى أعلى عليين، ثم سرعان ما يطرحونهم أرضاً بعد ذلك، ثم يتحولون بعدها لضحايا غضبهم وحنقهم عندما لا يطيعونهم أو يشبعون رغباتهم بأداء حقوقهم.قد يعجبك ايضا
إن الاحتقار والامتهان والكراهية التي يكنها الآباء النرجسيون لأطفالهم لا يعتبر أمراً مؤلماً جداً فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى أن يعتبر الأطفال سوء المعاملة الموجودة شيئاً عادياً تماماً.
وهذا النمط من التمجيد والنقص يعلم الأطفال أن الحب يُعدّ شيئاً غير مستقر وغير متوقع ومثيراً للخوف، الأمر الذي يؤدي إلى عدم وجود استقرار ذاتي لدى الأطفال وإلى شحنهم دوماً بالخوف من مجرد إغضاب الآخرين.
وتتبلد بالإضافة إلى ذلك مشاعر الأطفال، كما يؤدي إلى عدم مبالاة الأطفال بالشتم وسوء المعاملة اللفظية في مرحلة نضجهم، حتى لو تعلم هؤلاء الأطفال التعرف على الإساءة اللفظية أو العاطفية، فهم لا يدركون العواقب الوخيمة والمدمرة بصورة واضحة مثل التي توجد عند الأطفال الذين تربوا في بيئة صحية سليمة.
وتعد مثل تلك الإساءة في المعاملة أمراً مألوفاً وعادياً لدى الأطفال الذين يتربون في أسرة نرجسية، فهم يعتبرون تلك الإساءة الشكل الوحيد للحب الذي تكنه أسرتهم لهم، فهم يقعون في علاقة صدام تجاه آبائهم.
ولكنهم قد يخالفون ذلك أحياناً ويستبعدون من حياتهم كل شخص يشبه آباءهم سواء في لهجته أو في سلوكه وتصرفه.
وقد يعتبر البعض هذا يقظة مفرطة، إلا أنه يعتبر في الحقيقة حماية للذات وجرس إنذار لكل أنماط السلوك التي تستدعي صدمة الماضي.
أما فيما يخص حقيقة أن سوء المعاملة ليست أمراً عادياً أو شيئاً صحياً، فإن أطفال الآباء النرجسيين يمكن أن يعملوا بأنفسهم على تكوين بعض العلاقات وأن يستبدلوا الحكايات القديمة عن مبدأ انعدام القيمة، بقصصاً وحكايات قوية عن الحب والاحترام الذي يستحقونه. ويتمكنون بذلك من تربية أنفسهم و"تنشئتها من جديد" في بيئة أمينة ومصانة.
قد يعجبك ايضا
تعليقات
إرسال تعليق