دلالاتُ الإنتباهِ والتنبُّه ..
يشير مدلول الانتباه إلى تركيز الوعي على شيء معين ، أي توجيه النشاط العقلي إلى ذلك الشيء ، مع استبعاد المثيرات الأخرى المحيطة التي تسبب التشتت ، وتُخرِجُ الموضوع الذي نركّزُ عليه من بؤرة الوعي . وسوف اجتهد بالقول إنه يجوز لنا توسيع مفهوم (الانتباه) هذا ، لنعبّر عن درجة متقدِّمةٍ منه ، يمكن أن نسميها (التنبُّه) ، وأعني بالتنبّه هنا ذلك التوجّه أو السلوك الذي يُعبّر عن اليقظة المستمرة، والدأب على ملاحظة مختلف المثيرات وانتقاء ما يتطلب منها الاهتمام والتفكر والاستجابة ، إنه نمط من الصلة بالواقع ، يقوم على أساس الالتفات الواعي إلى كل ما يدور ويتحرك في ذلك الواقع مما يحمل أثراً وأهمية . وبهذا المعنى فإنه إذا كان ضدُّ الانتباه هو التشتت وعدم التركيز ، فإن ضد التَّنبُّه هو (الغفلة) ، غفلة المرء عما يحيط به ويجري حوله ، وذهوله عن كثير من المعطيات والإشارات التي كان يجب أن يلتفت إليها .
قيمنا تُحدد ما ننتبه إليه ..
وإذا كان مقدار الانتباه الذي يمارسه الشخص يتعلق بعوامل متعددة ، حتى أنه يرتبط بعمل قشرة مقدمة الفص الجبهي من الدماغ ، الذي يقوم بوظيفة التركيز على المهم بالنسبة للشخص واستبعاد غير المهم ، ويتأثر الانتباه بأي خلل في أداء هذا الجزء من الدماغ لوظيفته، كما يذكر الدكتور (دانيال آمين) في كتابه (غيّر من عقلك ، تتغير حياتك) ، فإن للاهتمامات ، وبالتالي (القيم) ، دوراً مهماً وأساسياً في مسألة ما ننتبه إليه ، أو نغفل عنه ، نركّز عليه ، أو نسمح لأي مثير آخر أن يشتتنا عنه ، فنحن أكثر انتباهاً إلى ما يَهمُّنا ، وإلى ما نقيم له وزناً ، ولا ننتبه غالباً إلى ما لا نبالي به .
تزايد المُثيرات التي تُلفتُ الإنتاه ..
وتتزايد أهمية موضوع الانتباه في عصرنا الحالي ، بسبب التنامي المضطرد في حجم المثيرات التي يمكن أن تلفت الانتباه ، وتشدَّ الاهتمام ، وذلك بسبب كَمْ المعلومات والرسائل والاتصالات وبثّ وسائل الإعلام التي يتلقاها الفرد ، ناهيك عن أساليب التسويق التي تتبع كل ما أتيح لها من طرائق علمية مدروسة ، في سبيل اقتناص انتباه الأشخاص لمختلف السلع والخدمات التي تستعصي أعدادها على الحصر . ومن شأن هذا الحجم المتزايد من المثيرات أن يضاعف من احتمالات التشتت ، أو يوجِّه الانتباه أحياناً إلى ما هو ليس مهماً ، أو ليس نافعاً ، أو لا يعطي قيمة مضافة ، بل وإلى ما هو ضحل وسخيف في كثير من الأحيان . ولعل تزايد أهمية موضوع (الانتباه) على النحو المتقدم ، هو ما جعل بعض المراجع الإدارية تعتبره (أي الانتباه) مورداً مهماً من الموارد ، أي أداة من الأدوات اللازمة للإنتاج وتحقيق الأهداف ، حيث أضحى الانتباه وتقليل التشتت وحسن توجيه هذا الانتباه إلى ما هو أكثر جدوى وأهمية سبباً في زيادة الإنتاج والكفاءة والفاعلية والجودة في عصرنا الحالي ، بل باتت تلك المراجع تتحدث عن (إدارة الانتباه) بنفس الطريقة التي تتحدث بها عن إدارة الموارد الأخرى ، التي تشكل عناصر أساسية لا غنى عنها للوصول إلى الأهداف .
قد يعجبك ايضا
قصور الإنتباه ..
وربما أصبح ضرورياً عند التطرق إلى موضوع الانتباه ، أن تتم الإشارة إلى جانب ذي علاقة وثيقة به ، غدا الاهتمام ببحثه يتزايد أيضاً ، ويتمثل هذا الجانب فيما يسمى بـ (اضطرابات قصور الانتباه) ، وكثيراً من يكون هذا الاضطراب مرتبطاً بفرط الحركة والاندفاع ، وقد قرأت في كتاب بعنوان (اضطرابات قصور الانتباه وفرط الحركة) للدكتور «كمال سيسالم» أن المصابين بهذا الاضطراب يعانون عادة ، وبدرجات متفاوتة ، من التشتت وصعوبة التركيز ، والفوضى ، والاندفاع ، وضعف العلاقة مع الأقران والأخوة والأخوات ، والسلوك العدواني، وضعف مفهوم الذات ، وتدني درجة الثقة بالنفس ، وضعف التناسق الحركي، وشدة الإصرار والإلحاح على تنفيذ طلباتهم . أما الدكتور (دانيال آمين) الذي سبق أن أشرت إلى كتابه ، فيذكر من صفات من يعانون قصور الانتباه أنهم عادة ما يبدأون الأعمال ولكنهم لا يتمونها ، ويندفعون في القول فيبدر منهم نحو الآخرين ما يجب ألا يقال، وهم يخطئون في تصرفاتهم نتيجة اندفاعهم ثم يندمون ، لكنهم لا يتعلمون من هذا الخطأ والندم ، كما أنهم يتّسمون بالفوضى في التعامل مع الوقت ، وتأخير الأعمال حتى آخر لحظة ، واستغراق وقت في أداء العمل يفوق ما يستغرقه الآخرون ، إضافة إلى الفوضى في التعامل مع الأشياء وفقدانها وإدامة البحث عنها ، وهم يسعون لا شعورياً لإثارة الفوضى والتوتر وخلق الصراع ، في محاولة منهم لايجاد دوافع للتنبُّه الذي يفتقدونه .
إنتشار حالة قصور الإنتباه ..
ويبدو أن نسبة انتشار اضطراب قصور الانتباه بين الطلبة غير قليل أبداً ، حتى أن بعض الأبحاث ذكرت أنه يصل إلى ما نسبته 20% من طلبة المدارس الأمريكية . على أي حال فإن أهم الإرشادات التي يقدمها الدكتور سيسالم لأولياء الأمور في كتابه (الذي تقدمت الإشارة إليه) في تعاملهم مع اضطرابات قصور الانتباه والحركة المفرطة هي : ألا يحمِّلوا أنفسهم أو غيرهم مسؤولية معاناة أبنائهم من هذا الاضطراب ، فيغرقوا في الشعور بالذنب ، لأن العوامل المؤدية لهذا الاضطراب متعددة ومتداخلة ولا تُلقى فيها التبعة على أحد ، مع ضرورة الاعتماد على آراء المختصين في تشخيص الحالة ، وضرورة الانتباه إلى المشكلات الأخرى الناجمة عن هذا الاضطراب كالاكتئاب والعدوان ، وقد تحتاج بعض حالات قصور الانتباه إلى الأدوية، لكن لا غنى في كل الأحوال عن العلاج السلوكي .
إبراهيم كشت
تعليقات
إرسال تعليق