الأربعاء، 10 يناير 2018

سبعة شعراء قتلهم شعرهم


كثير منا يعرفون قصة النهاية المأساوية للشاعر العظيم أبي الطيب أحمد بن الحسين، الشهير بالمتنبي.
فالمتنبي الذي ظهرت موهبته الكبيرة منذ نعومة أظفاره سرعان ما دفعه طموحه واعتداده بذاته إلى القصور، ينتقل من بلاط أمير إلى آخر حتى استقرَّ في بلاط صاحب حلب سيف الدولة ابن حمدان قرابة عشر سنوات، إلى أن وقعت بينهما جفوة سببها حسّاده وكثرة أعدائه في البلاط، الذين لم يكونوا يسلمون من لسانه الحاد وسخريته اللاذعة، ورواج شائعات عن محاولة المتنبي التقرب من خولة شقيقة سيف الدولة، فغادر المتنبي حلب، وعاد يرتحل بين البلاد والأمراء، إلى أن أقام في مصر، مادحاً كافور الإخشيدي، حاكمها، وهو يطمع في أن يكون لديه أكثر من شاعر، فيمنحه حكم إحدى الولايات أو منصباً كبيراً.
ولكن كافور ضنَّ عليه بالمناصب، وظلَّ يعده خيراً عاماً بعد عام، دون أن ينفذ شيئاً وقد كان يتوجس منه ومن طموحه الكبير خيفة.
وفي النهاية خرج المتنبي من مصر يوم عيد، تاركاً خلفه قصيدة في هجاء كافور، اشتد بها في إهانته والإساءة إليه قال فيها:
أكلما اغتال عبـد السـوء سيـده / أو خانه فله فـي مصـر تمهيـد
صار الخصي إمام الآبقين بها / فالحر مستعبد والعبد معبود
نامت نواطير مصر عن ثعالبها / فقد بشمن وما تفنى العناقيد
العبد ليـس لحـر صالـح بـأخ / لو أنه فـي ثيـاب الحـر مولـود
لا تشتر العبد إلا والعصـا معـه / إن العبيـد لأنـجـاس مناكـيـد
ما كنت أحسبني أحيا إلـى زمـن / يسيء بي فيه عبد وهـو محمـود
ورغم ذلك فإن ما تسبب في قتل المتنبي ليس أحد الأمراء أو الملوك الذين كثيراً ما مدحهم وهجاهم، وإنما أحد صعاليك العرب، يدعى ضبة بن يزيد، كان بينة وبين بعض أصدقاء المتنبي نزاع، فاحتمى بحصن، وجعل يشتمهم ويسبهم من فوقة، فردّ عليه المتنبي بقصيدة غاية في الفحش، وانتشرت ككافة قصائده، فأثارت غضب قبيلته، ولحظِّ المتنبي السيئ صادف خال ضبة هذا في جماعة من قومه أثناء سفر له، فقتلوا المتنبي وابنه وغلامه بالقرب من بغداد، انتقاماً لضبة من الرجل الذي أهان ملوك عصره، ولم يصل إليه منهم أحد!


أما الشاعر الثاني فهو السليك بن عمرو، أحد صعاليك العرب الذين دفعهم الفقر والجوع إلى السلب والنهب، فكان السليك شاعراً وزعيم عصابة!
وأثناء إحدى غاراته على بني مالك، طارده بعض رجالها، فاحتمى بمنزل امرأة من خثعم، تدعى فكيهة، واستجار بها، فحمته واستغاثت بإخوتها فمنعوه وأنقذوه من القتل، فقال فيها:
لعمر أبيك والأنباء تنمي لنعم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أباها ولم ترفع لإخوتها شنارا
وما عجزت فكيهة يوم قامت بنصل السيف واستلبوا الخمارا
ولكن السليك لم يحفظ الفضل لأهله، فعندما حذرته امرأة متزوجة كان يعشقها من خثعم، قبيلة زوجها، أهانهم قائلاً:
تهددني كي أحذر العام خثعما وقد علمت أني أمرؤ غير مسلم
وما خثعم إلا لئام أرقة إلى الذل والإسخاف تنمي وتنتمي
فلما سمع بذلك الشعر رجال من خثعم قالوا أيقول فينا ذلك ونحن مجيروه؟
فأعدوا له كميناً فقتلوة وعصابته.


والثالث هو الكميت بن زيد قتيل حب آل البيت
ليس حب آل البيت ومدحهم بالأمر المستهجن عند المسلمين، خاصة إن كان الشاعر موزون القول، غير مغال فيهم، ولا يخرج عن حدود المقبول أدباً وشرعاً، ولكن الكميت الذي اشتهر بمجموعة من القصائد عرفت بالهاشميات كان يحيا في عصر صعب، فقد كان مدحه لآل البيت لا يعني إلا عداء البيت الأموي، الذي اشتد في تتبع شيعة الهاشميين والقضاء عليهم، تحسباً لثورتهم ضد دولتهم، ولم يكن الكميت يخفي آرائه السياسية، ففي قصيدته الشهيرة التي مطلعها: طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب يقول:
وقالوا ورثناها أبانا وأمنا وما ورثتهم ذاك أم ولا أب
يرون لهم فضلاً على الناس واجباً سفاهاً وحق الهاشميين أوجب
وفي أخرى يقول
بل هواي الذي أجن وأبدي لبني هاشم فروع الأنام
للقريبين من ندى والبعيدين من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما أخطأ الناس ومرسى قواعد الإسلام
وهم الآخذون من ثقة الأمر بتقواهم عرى لا انفصام
ساسة لا كمن يرى رعية الناس سواء أو رعية الأنعام
لا كعبد المليك أو كوليد أو سليمان بعد أو كهشام
ورغم أن الكميت كان يعرض نفسه للمهالك بمثل هذه الأبيات إلا أنه لم يكن يقول الشعر إلا في آل البيت، ولم يكن يقبل منهم عطاياهم، فعندما أرسل له أبوجعفر محمد بن الحسين ألف دينار وكسوة هدية، ردهم قائلاً (والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه (يعني بني أمية)، ولكنني أحببتكم للآخرة).
وعندما أهداه عبدالله بن الحسن ضيعة قيمتها أربعة آلاف دينار رفض قبولها، ورد إليه صكها قائلاً (بأبى أنت وأمي إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك المال والدنيا، ولا والله ما قلت فيكم إلا لله، وما كنت لآخذ لي شيئاً جعلته لله مالاً ولا ثمناً).
وربما كانت منزلة الكميت في قومه مضر تسبغ عليه قدراً من الحماية، ولكن خالد القسري حاكم العراق أراد الانتقام منه، فسرب إلى جواري الخليفة هشام بن عبدالملك قصائد الهاشميات، فلما سمع هشام هذه القصائد، وعلم أن الكميت قائلها أمر بقتله، فبعث خالد إلى قوم الكميت، واعتذر إليهم، وأراهم كتاب هشام بقتله، ولكن الكميت هرب، ثم احتال إلى أن وصل لهشام فاعتذر له، فعفا عنه، ورغم ذلك فلم ينج الكميت، وقتل على يد بعض الجند المجهولين المتعصبين ضد الشيعة، دون أمر من أحد.


والرابع هو أبو نخيلة، وهو نموذج واضح للشاعر المرتزق الذي يمدح الأمراء والخلفاء لعطايهم وجوائزهم، بغض النظر عن سياستهم وطبيعة شخصياتهم، دون أن يكون له موقف سياسي ينافح عنه، وقد اشتهر بمدح بني أمية حتى قرّبة هشام بن عبدالملك الذي قال فيه:
إلى أمير المؤمنين المجدي رب معد وسوى معد
في وجهه بدر بدا بالسعد أنت الهمام القرم عند الجد
حتى إنه كان يهديه من ثيابه الخاصة، وقد كان شديد الهجاء لأعداء بني أمية حتى سقطت دولتهم، فاختفى، ولكن الخليفة العباسي السفاح أمن الشعراء وعفا عنهم، فدخل عليهم، ومدحه، حتى إنه غير من أبيات شعره في هشام وغيره من الأمويين فجعلها للعباسيين!
ورغم كراهية العباسيين لأبي نخيلة واحتقارهم له، فإنه ظلّ في أمان حتى أسقطة طموحه في شر أعماله، فقد علم أن الخليفة المنصور يريد تولية عهدة للمهدي، بدلاً من أخيه عيسى بن موسى، فأراد أن يكسب حظوة عند ولي العهد المنتظر، فقال:
ليس ولي عهدنا بالأسعد عيسى فزحلقها إلى محمد
من عند عيسى معهداً عن معهد حتى تؤدى من يد إلى يد
فقد رضينا بالغلام الأمرد وقد فرغن غير أن لم نشهد
وانتشرت تلك القصيدة بين العامة والخاصة، وبالفعل خلع عيسى من ولاية العهد وعقدت للمهدي، ولكن انتقام عيسى من هذا الذي أضاع منه الخلافة كان مروعاً، فقد أمر رجاله فطاردوه حتى خراسان، فذبح وسلخ جلده، وألقى بلحمه إلى الطيور الجارحة تنهشه، ولم يبق منه شيء يدفن.


أما الخامس فهو صاحب المعلقة الشهير، طرفة بن العبد، الذي نشأ يتيماً فقيراً، فذم الفقر في شعره كثيراً كقوله
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه / ولم يجل في قلب الخليل أخاؤه
إذا قل مال المرء لم يرض عقله / بنوه ولم يغضب له أولياؤه
وأصبح مردوداً عليه كلامه / وإن كان منطيقاً قليلاً خطاؤه
ولما عرف بالشعر نادم عمرو بن هند ملك الحيرة مع شاعر آخر يدعى الملتمس، فبينما كانا يشربان أشرفت عليهم أخته وهو لا يعرفها، فقال فيها الشعر فأسرها عمرو في نفسه، وإن لم يؤذه حتى لا يعيّر بقتل ضيفة، حتى وصل إليه شعر له يهجوه ويصفه بالبخل، فانتظر حتى عاد لقومه، ثم أرسل إليهما بكتاب وفيه أن يذهبا لعامله بالبحرين ليتلقيا جائزة، فشك الملتمس في الأمر، ففتح الرسالة فوجد فيها الأمر بقتله، فهرب، أما طرفة فلم يشك، وذهب للبحرين بحسن نية فقتل بها عن ستة وعشرين عاماً فقط.


أما السادس فعبدالرحمن بن إسماعيل، الملقب وضاح اليمن لوسامته، والذي ذاع صيته لمغامراته العاطفية كشاب جريء لا يعدم حيلة للوصول إلى من تعجبه من النساء، وإن كان كثير المبالغات كقوله
قالت ألا لا تلجن دارنا إن أبانا رجل غائر
قلت فإنى طالب غرة منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن القصر من دوننا قلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي إخوة سبعة قلت فإني غالب ماهر
قالت فليث رابض بيننا قلت فإني أسد عاقر
قالت لقد أعييتنا حجة فإن إذا ما هجع السامر
فأسقط علينا كسقوط الندى ليلة لا ناه ولا زاجر
ولكن وضاح طمح إلى شهرة أكبر، وأن يكون شاعر قصور وليس شاعر عامة، فكان في طموحه هلاكه.
فقد ذهب وضاح مع صديقة الشاعر كثير إلى مكة في موسم الحج، الذي ذهبت فيه أم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبدالملك، فامتدح صديقه كثير وصيفتها بقصيدة، فنال جائزةً، وضمن مقعداً في صفوف شعراء البلاط المعدودين، ولكن طموح وضاح أوصله إلى أن يتغزل في زوجة الخليفة نفسها قائلاً!
أصحوت عن أم البنين وذكرها وعنائها
وهجرتها هجر أمرئ لم يسل صفو صفائها
قرشية كالشمس أشرق نورها ببهائها
زادت على البيض الحسان بحسنها ونقائها
لما أسبكرت للشباب وقنعت بردائها
لم تلتفت للداتها ومضت على غلوائها
لولا هوى أم البنين وحاجتى للقائها
قد قربت لي بغلة محبوسة لنجائها
لتنتشر القصيدة انتشار النار في الهشيم، ومعها شائعات عن علاقة أم البنين بوضاح، ويعلو ذكر وضاح كما كان يرغب، وعلى الرغم من أن الخليفة الوليد تجاهل الأمر في البداية، بل وأجزل لوضاح العطاء لمّا مدحه بقصيدة، إلا أن تكرار وضاح للتغزل فى زوجته بجرأة زائدة عن الحد، ظناً أن الوليد لا يؤذيه حتى لا يثير الشائعات عن أن ما قيل في الشعر ليس خيالاً وإنما حقيقة، لم يجعل للوليد بديلاً سوى أن يسكت هذا الشاعر للأبد، وكان يمنع الوليد عن قتله ابنه عبدالعزيز، الذي قال إن قتلته فضحتني، وحققت قوله لما تعدى إلى ذكر أخته فاطمة زوجة عمر بن العزيز، كانت نهاية وضاح أن وضع بصندوق ودفن حياً في مكان مجهول فلم يُعرف له قبر.


والسابع بشار بن برد الذي ولد أعمى مشوه الخلقة يصفه الأصفهاني بأنه (أقبح الناس عمى وأفظعهم منظراً)، وعلى ذلك كان فقيراً من أبناء الموالي اتهم بالكفر والزندقة الشعوبية، واشتهر بسبب فحش قوله وشعره، والعجيب أن مصدر رزقه كان فحشه وعنف هجائه، فكان يُدفع له اتقاءً لشره حتى لا يقول فيمن يبخل عليه قصيدة يعير بها!
وكان بشار يبدأ فيمدح الوزراء والأمراء والمشاهير، فإما يعطونه فيرضى أو يهجوهم حتى يعطوه فيسكت، وقد مدح الوزير يعقوب بن داود فلم يعطه فهجاه فأسرّها في نفسه حتى تخطّى بشار كافة الحدود، فهجا الخليفة المهدي نفسه!
فدخل يعقوب على الخليفة، وقال يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد قد هجاك، فقال بأي شيء فأبى أن يقول، ولكن دفع إليه بكتاب فيه هجاء بشار ومنه:
خليفة يزني بعماته يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره ودس موسى في حر الخيزران
فأمر المهدي به فحُمل في سفينة، وجلد بها حتى زهقت روحه، ثم أُلقي جثمانه في نهر دجلة.
هاف بوست عربي

0 التعليقات: