قد يختلف الجزائريون حول بعض أفكار الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، لكنهم يجمعون على المسيرة العلمية والتنويرية التي قادها خلال فترة الاستعمار الفرنسي، والتي أثمرت تأسيس جمعية العلماء المسلمين، ويوافق تاريخ وفاته يوم 16 أبريل/نيسان الاحتفال بـ"يوم العلم" في الجزائر، مما يبرز الحظوة التي يتمتع بها.
ولعبت جمعية علماء المسلمين التي أسسها دورا كبيرا في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للجزائريين، وتكوين جيل كامل من الكتاب والمثقفين في الجزائر.
ويقول البعض إن ابن باديس يراوح في فكره النهضوي بين محمد عبده  وجمال الدين الأفغاني، إلا أن هناك إجماعا على أن الرجل قاد إصلاحا جزائريا خالصا تعامل مع الواقع الجزائري تحت الاستعمار الفرنسي، واستهدف إعادة إحياء هوية "الجزائري"، ملخصا ذلك في البيتين الأولين من أشهر قصائده:

شعب الجزائر مسلم       وإلى العروبة ينتسبمن قال حاد عن أصله    أو قال مات فقد كذب

محاربة الاستعماروانطلاقا من فكرة استحالة محاربة الاستعمار الفرنسي بشعب مستلب حضاريا وفكريا، تفرغ عبد الحميد بن باديس لإقامة المدارس والمعاهد التعليمية والكتاتيب القرآنية والعربية التي عملت فرنسا على إلغائها بشكل جذري، من أجل طمس هوية الشعب الجزائري في إطار مشروع الضم التام للمكون الجزائري وجعله فرنسيا. وكان ابن باديس يشدد على أهمية تعلم اللغة الفرنسية أيضا من زاوية "من تعلم لغة قوم أمن شرهم"!.

ومن أهم ما يحسبه المؤرخون والكتاب للعلامة ابن باديس هو حرصه الكبير على الخدمة العامة وتحمل مشقة توعية شعب تعمل آليات استيطانية على إلغاء هويته لصالح هوية فرنسية بحتة، رغم توفر الظروف التي تجعله يعيش في رفاهية نظرا للحال الميسور للأسرة الباديسية.
ويُشهد لتلك العائلة بإنجاب العلماء والأمراء، فالجد الأول هو مناد بن مكنس الذي ظهرت علامات شرفه وسيطرته في وسط قبيلته في حدود القرن الرابع الهجري، وتعتبر هذه القبيلة فرعا من أمجاد القبيلة الصنهاجية "البربرية" المشهورة في المغرب العربي.

علماء وسلاطينوكانت مدينة قسنطينة (عاصمة الشرق الجزائري) مسقط رأس العلامة عبد الحميد بن باديس عام 1889م، وكان والده عضوا في المجلس الأعلى و"باش آغا" لشرقي الجزائر، ومستشارا بلديا في مدينة قسنطينة.

وتعرف هناك على كبار العلماء، وأخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية، من أمثال الشيوخ: محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري، والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير، والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقى عليه المنطق وقرأ عليه كتاب التهذيب فيه، ومحمد بلحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي أخذ على يده الفقه.. وغيرهم

وبعد أدائه فريضة الحج، مكث الشيخ ابن باديس في المدينة المنورة ثلاثة أشهر، ألقى خلالها دروساً في المسجد النبوي، وتعرف على رفيق دربه في النضال فيما بعد الشيخ البشير الإبراهيمي. ولم يكن أي منهما يتوقع أهمية ذلك اللقاء الذي بدا عابرا لكنه ترك بصمات راسخة لاحقا في تاريخ الجزائر.

وتحادثا الرجلان طويلاً عن طرق الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة واضحة مشتركة، وزار ابن باديس بعد مغادرته الحجاز بلاد الشام ومصر واجتمع برجال العلم والأدب وأعلام الدعوة السلفية، كما زار الأزهر.

وتبلورت لدى ابن باديس فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين سنة 1931، واتجه في الآن ذاته إلى الصحافة، وأصدر جريدة "المنتقد" عام 1925 وأغلقتها السلطات الاستعمارية بعد العدد الثامن عشر، فأصدر جريدة "الشهاب" الأسبوعية، التي بث فيها آراءه في الإصلاح، واستمرت كجريدة حتى عام 1929، ثم تحولت إلى مجلة شهرية علمية، وكان شعارها: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

جدل فكري
"الشيخ الغزالي:ابن باديس -كبقية القادة العرب والمسلمين- لم يظفر بالتقدير الذي يستحقه، لأن العرب مبتلون بالنسيان، وخصوصًا نسيان القادة الكبار"
تعددت ألقاب الشيخ عبد الحميد بن باديس بتعدد المعارف التي شحن وعيه بها، فهو العالم المفسر، والمصلح الثوري، والشاعر الصحفي، والكاتب السياسي، والمعلم المربيّ، رمز العلم والتعليم في الجزائر بكل اختصار، ولهذا يرتبط الاحتفال بـ"يوم العلم" هناك بشخصيته وتاريخه ومساراته.

وتعرف نظريته في التربية رواجا خاصا، وهي التي تعتمد أساسا على فكرة أن "التربية لا بد أن تبدأ من الفرد، فإصلاح الفرد هو الأساس"، وقد انتقد العلامة مناهج التعليم السائدة آنذاك والتي كانت تهتم بالفروع والألفاظ، وعبر عن ذلك قائلا: "واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية، مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفني الأعمار قبل الوصول إليها".


ويجمع الكُتاب على أن آثار العلامة بن باديس هي آثار عملية قبل أن تكون نظرية في كتاب أو مؤلَّفات، والأجيال التي رباها كانت وقود معركة تحرير الجزائر. ويدور حاليا في المنتديات والمواقع الإلكترونية جدل كبير حول آرائه وتوجهاته الفكرية، إذ يصر السلفيون على كون عبد الحميد بن باديس صاحب فكري سلفي، فيما يقول الإخوان المسلمون إنه قارب الكثير من مبادئهم وتصوراتهم.
وما زاد من تسهيل أمر هذه التصنيفات هو عدم تفرغ العلامة للتأليف في خضم دفاعه المستميت عن الهوية من خلال التعليم والمحاضرات والوعظ والإرشاد في إصلاح المجتمع، وتفسير القرآن والكتابة المستمرة في الصحافة الإصلاحية.
ورغم البعد الإنساني الذي اشتغل عليه المصلح بن باديس، فإنه لم يأخذ حقه، ولا يتجاوز تناول فكره عتبات الحديث عن التربية وأيام الاحتفالات الروتينية في المناسبات.

وقال عنه الراحل الشيخ محمد الغزالي "ابن باديس -كبقية القادة العرب والمسلمين- لم يظفر بالتقدير الذي يستحقه، لأن العرب مبتلون بالنسيان، وخصوصًا نسيان القادة الكبار".

ويضيف "وموقفنا من التاريخ الإسلامي (هو الدعوة) إلى إعادة النظر (فيه)، لأن أبطالنا كثيرون، ومع ذلك سمحنا للتراب أن يهال عليهم، فلم نحسن اقتناء آثارهم ولا تجديد سيرهم، ونحن أولى الناس بأن ننتفع بتراث الآباء والأجداد، ابن باديس كتب عنه كتاب أو كتابان، بينما كتب في نابليون بونابرت نحو مائتي كتاب".


عمل سينمائيابن باديس الذي يعتبر من رجالات الإصلاح في الوطن العربي ورائد النهضة الإسلامية في الجزائر، قيل مرارا إن سيرته ستكون موضوعا لعمل سينمائي، غير أن كل تلك المشاريع أجهضت قبل أن تبدأ.
وكانت هناك ثلاثة سيناريوهات جاهزة لمسلسلات درامية حول هذه الشخصية التاريخية، ولم يظهر للعلن شيء منها دون تبرير واضح، ومؤخرا كان هناك حديث جديد عن التحضير الفعلي لفيلم وثائقي حول سيرة العلامة الجزائري، مع شهادات حية لعلماء دين من دول مختلفة.
وفي انتظار ذلك يعمل آخرون في الجزائر هذه الأيام عبر استفتاءات مختلفة على تغيير تاريخ يوم العلم من يوم وفاة العلامة يوم 16 أبريل/نيسان إلى يوم تأسيسه لجمعية العلماء المسلمين 5 مايو/أيار أو يوم مولده في الرابع من ديسمبر/كانون الأول.

عرف ابن باديس بنبوغه في العلم وشغفه الكبير بالقراءة والمطالعة وسرعة البديهة والذاكرة القوية، واتخذ الإمام عبد الحميد بن باديس من الجامع الأخضر مركزا لنشاطه التربوي، وكان يحضر دروسه أكثر من ثلاثمائة طالب.

ودرس في هذا الجامع التفسير والحديث والفقه والعقيدة وعلم التجويد والنحو والصرف والحساب والجغرافيا، وحرص والده على إرساله إلى جامع الزيتونة في تونس ليكمل تعليمه ويوسع معارفه.


المصدر: الجزيرة